أبو الحسن الشعراني

228

المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه

« في أمور عدّت من الأحكام الوضعيّة » قد عرفت أن أكثر العلماء حصروها في الثلاثة أعنى السببية والشرطية والمانعية ، وبعضهم زاد فيها الصحة والبطلان ، وبعضهم العزيمة والرخصة . وهاهنا أقوال أعرضنا عن ذكرها ، وقد عرفت أن الحق عدم ثبوت حكم وضعي في غير الثلاثة على ما فيها ، وعدّ بعض العلماء أشياء كثيرة من الحكم الوضعي كالملك والرق والزوجية والقضاء وغيرها من المعاني المعلومة في العرف واللغة قبل الشرع ، وما أقام على ذلك دليلا غير أن مفهوم هذه الأشياء غير مفهوم الحلية والحرمة وغيرهما من أحكام التكليف ، ولا ريب في ذلك ، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف ، وإنما البحث في كونها مجعولة بجعل شرعي مستقل ، ولا دليل عليه للاستغناء عنه بالأحكام التكليفية إلا أسباب التكليف وشرائطه وموانعه على ما مرّ . ثم إن كون مفهوم الملك غير مفهوم حلية التصرف مثلا ليس محتاجا إلى جعل الشارع ، إذ الفرق بينهما معلوم في اللغة قبل الشرع ، كما أن المعنيين نفسهما معلومان في اللغة ، بل مفهوم الوجوب والاستحباب وغيرهما من الأحكام التكليفية أيضا معلومة قبل الشرع ، وإنما الحكم المنسوب إلى الشرع الذي لم يكن شيئا قبل جعله هو الخطاب المتوجه إلى الناس بوجوب الصدقة مثلا دون معنى الوجوب والصدقة المعلومين من قبل . وكذا الحكم الوضعي يجب أن يكون خطابا ، والنافي للحكم الوضعي يدعى أن الملك مفهوم منتزع من الأحكام التكليفية التي جعلت في مورده ، لا أنه نفس تلك الأحكام مفهوما ، ولذلك يختلف معنى الملك